تاريخ ولوحة

BY NOUF ABDULKARIM

 
Collage by Arwa Al Shamsi (@arwas.space)

Collage by Arwa Al Shamsi (@arwas.space)

 

صمت التماثيل في انتصاراتها الزائفة..مقالة في جريدة بالخط العريض حولها زخارفٌ مسمومة..وسام شرفٍ رديء الصنع..حروف موصومة بالعار ستُنسى..وحبٌ مبتور الأطراف يشبه أي شيء سوى الحب.

كانت تلك المرحلة الأخيرة من مراحل الإدراك، لا شغف في الحقيقة; فالتاريخ يعيد نفسه.

لا إمكانية في الاستمرار عند المعرفة، فالطوق الذي يحيط عنق الأيام كنايةً بالقدر في هذه المرحلة..المرحلة الأخيرة من كل الأشياء، لا نسل بعده للأيام...فقد غصت بالواقع واختنقت فماتت، الشوارع تعج بدخانٍ مقيت تحاول رائحته كشف شيءٍ ما..قول شيءٍ ما، زيفٌ يحيط الأجواء، والبقاء أمل قد يطفئ شعلته غضبٌ في روحٍ قررت: ”أنا ومن بعدي الطوفان“

كم مضى على رحيلنا، غريبٌ في دار لاتشبهه، وهذه الأرض ماهي إلا حفنة من تراب تُشكَّل بالحكايات والانتصارات ونسي الهزائم..ترابٌ خدّاع، والدار هي الطمأنينة... صوتُ تسبيحٍ في ليلٍ ساكن وصلاة بحبٍ وخشوع ويقين بإيمان وعمل...ولا دار لنا هنا!

حفرت الهزائم تحت جلودنا تهويدة سحرية تقينا شر أنفسنا ما إذ قررنا في شروق شمس ما ألا نكون مايجب علينا أن نكونه، جفّت الحناجر ونضبت العروق.

 ما إن تسير على هذه الطريق حتى لا تجد سبيلاً للعودة، هذه الدرب طويلة وشاقة ومرهقة، عتباتها وعقابتها تلتهم كل من يحاول تخطيها ...أو تحديها! ولكن فكرة ما تصدح بتردد يكسر صمت أفكارك: ”الدار ليست هي الدار ولادار لنا هنا". فلابد من خوض هذه الطريق أيًا كان الثمن ومهما كلفت وقائع هذه الرحلة من خسائر. "البطولة أحيانًا ليست أن تقوم بعمل بطولي، بل ألا تقوم بعمل جبان" تصدح فكرة أخرى ولا تعلم حقيقة من أين يتوالى سيل الأفكار هذا ولكنك توافقها الرأي وذلك الصوت البعيد الذي كان يمثل روحك في زمنٍ ما يقول: "أقر أن الانسحاب في هذا الوقت..الوقت الذي يحتاجك فيه ظلك..ذكراك وشغفك..أمانيك البعيدة وتلك القريبة..وصلاة ليل ترددها بكل يقين.. الانسحاب في هذا الوقت تحديدًا يعتبر أجبن فكرة قد تخطر على عقل إنسان على هذه المعمورة!"

إنسان؟ نسي التاريخ أن يعيد تشكيل حقائقه حول هذا الكائن -صوتك البعيد يهمس: "ولا حتى الإنسان نفسه يعي ماهيته!". ضحكة سخرية تسمعها من مكان ما في داخلك، نسيت كيف يبدو شكل الضحك، تحاول جاهدًا طرد سيل هذه الأفكار التي انقضت كالطوفان، تعلم ما إذ قررت المضي فيجب أن يتغير جلدك...ليس مجازًا، بل أن تقتلع مكامن الإنسان بداخلك بالمعنى الحرفي، أن تنسى كيف تبدو الحياة قبل هذه الطريق ولاتأمل كثيرًا فيما بعده، أن تنسلخ من كيانك الحالي لتحاول البقاء، شيء يشبه آخر لحظة يحاول فيها من هو على مشارف الموت التقاط أنفاسه ولا ينجح..ولكنك بقدرة ما، قدرة الرغبة في البقاء..تنجح! 

تخطفك ذكرى من مسار زمني آخر -على ماتعتقد- وتأخذ في التشكل أمامك، لوحة عتيقة مثبتة على جدار مبنى قوامه متهالك، أركانه لن تحمله طويلاً، اللوحة ساحرةٌ وبهية، إطارها ذهبيٌ فاخر... تلمع على جدارٍ مدنس بالسنين والذكرى -والغبار- لاتسأل نفسك ما الذي تفعله لوحة فارهة كتلك على جدار كهذا، لاتتضح لك معالم اللوحة، ولكنك ترى قلماً وعصا وتاج... ولاتسأل أيضًا ما الرابط بينهم جميعًا، تتأملها في سكينة وخوف، تناقضٌ كهذا يقلقك، ولكن ماهو أهم أن شيئاً ما يسيطر على أفكارك في هذه اللحظة ويخنقها، يسلب كل ذرة أكسجين في قلبك رعبًا وبطشًا، وفجأة..صوتٌ مهيب يهز المكان..تختفي الذكرى...تتلاشى بعد سقوط الجدار. 

التاريخ يعيد نفسه.

 

Nouf Abdulkarim is a Law student who practices writing every now and then.